أبو حامد الغزالي

80

تهافت الفلاسفة

الاعتراض من وجهين : أحدهما : أن يقال : بم تنكرون على من يقول : إن العالم حدث بإرادة قديمة ، اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه ، وأن يستمر العدم إلى الغاية التي استمر إليها ، وأن يبتدئ الوجود من حيث ابتدأ ، وأن الوجود قبله لم يكن مرادا فلم يحدث لذلك ، وأنه في وقته الذي حدث فيه مراد بالإرادة القديمة ، فحدث لذلك ، فما المانع من هذا الاعتقاد وما المحيل له ؟ !

--> هكذا يقف الطرفان المتناظران على طرفي نقيض ، فيرى أحدهما القول بوجوب قدم العالم ، واستحالة القول بالحدوث ، ويرى الآخر القول بوجوب الحدوث ، واستحالة القدم . وليس للقول بالإمكان نصيب من اعتبارهما . ولعل من الطريف أن أسوق هنا رأى فيلسوف مسيحي - كان همه أيضا أن يوفق بين الدين والفلسفة - عاش في العصور الوسطى كما عاش ابن سينا والغزالي ، ويبدو أنه اطلع على وجهة نظرهما ، فهداه تشددهما إلى إمكان خلق حل وسط ، ذلكم هو القديس توما الأكوينى الذي عاش بين سنتي 1225 ، 1274 م . يصور الأستاذ يوسف كرم نظرية الخلق عنده على الوجه الآتي : ( ا ) كل موجود - ما خلا اللّه - مخلوق من اللّه ضرورة ؛ لأن الوجود القائم بذاته ، لا يمكن أن يكون إلا واحدا ؛ فيلزم أن كل ما خلا اللّه ليس عين وجوده ، ولكنه موجود بالمشاركة . وليس الوجود بالمشاركة صدورا عن ذات اللّه ، كما تقول الأفلاطونية الحديثة ؛ لأن ما يصدر عن الذات صدورا ضروريا ، فهو مثل الذات ، وليس العالم مثل اللّه . ومن هذه الناحية أيضا يسقط مذهب وحدة الوجود ، الذي يعتبر العالم مظهرا للّه . أما قول ابن سينا : إن من شأن الواحد دائما أن يصدر عنه واحد ، فيصدق على الفاعل بالطبع ، لا على الفاعل الإرادى الذي يفعل بالصورة المعقولة ، ولما كان اللّه يتعقل أمورا كثيرة ، فهو يقدر أن يفعل أشياء كثيرة . يضاف إلى ذلك استحالة صدور الموجودات بعضها عن بعض ؛ لأن المخلوق غير موجود بذاته ، فلا يستطيع أن يمنح وجودا ليس له بالذات ، ولئن كان المخلوق الموجود متناهيا ، فإن المسافة بين اللاوجود والوجود لا متناهية ، فالخلق يقتضى قدرة لا متناهية ؛ لذلك كان خاصا باللّه وحده . ( ب ) وقد سبق القول بأن اللّه لا يريد بالضرورة إلا ذاته ، وأنه يريد غيره بالاختيار ، فهو ليس يريد بالضرورة ، أن يكون العالم ، لا أن يكون قديما ، ولا أن يكون حادثا . وهكذا يحسم الخلاف الطويل العنيف بين أنصار القدم وأنصار الحدوث ، ذلك بأن البحث العقلي في الإرادة الإلهية ، لا يمكن أن يتناول سوى الإرادة الضرورية ؛ أما الاختيار ، فليس يكشف عنه سوى اللّه ، وقد فعل ؛ إذ أوحى أن العالم حادث . ولكن من جهة العقل البحث ، القدم والحدوث ممكنان على السواء ، ولا سبيل إلى إقامة البرهان